محمد الغزالي

360

فقه السيرة ( الغزالي )

عبده ورسوله . أدعوك بدعاية اللّه ، فإنّي أنا رسول اللّه إلى النّاس كافّة لينذر من كان حيا ويحقّ القول على الكافرين . أسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس » « 1 » . ومزق كسرى الكتاب وهو محنق . ولعلّه حسب الجرأة على مكانته السامية بعض ما رماه به القدر من مصائب ، فقد هزمه الروم هزيمة منكرة ، وها قد جاء العرب يعلّمونه ما لم يكن يعلم . وأصدر كسرى أمره إلى والي اليمن - وكانت لمّا تزل في حكمه - يأمره أن يرسل اثنين من رجاله الأشداء ليأتيا إليه بالرّجل الذي تجرأ على مكاتبته . و ( أبرويز ) هذا رجل أحمق ، ومنصبه يضفي عليه لقب ملك الملوك ، والوثنية السياسية إذا ظاهرتها وثنية دينية أمست ظلمات بعضها فوق بعض ، وقد غلب على الرجل السفه في تصريفه شؤون الدولة وحكمه على الأشخاص والأشياء ، حتى ضاق قومه أنفسهم به ، بل ضاق به أقرب الناس إليه وهو ابنه ( شيرويه ) فوثب عليه فقتله . ويروى أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما بلغه ما صنع كسرى أبرويز بكتابه قال : « مزّق اللّه ملكه » « 2 » . والطريف أن والي اليمن لما صدر إليه أمر كسرى سارع إلى تنفيذه ، فأرسل اثنين من لدنه إلى المدينة ، يعرضان على النبي عليه الصلاة والسلام أن ينطلق معهما ليسأل عما فعل . . ! ! . ونظر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى الرجلين ، فوجدهما من ذلك النوع الذي تربيه الملوك في القصور ، كما تربي النسوة في بلادنا الديكة الرومية . . مناظر فارهة ، وبواطن تافهة . فلمّا رأى شواربهما مفتولة ، وخدودهما محلوقة ، أشاح عنهما وقال « 3 » :

--> ( 1 ) حديث حسن ، رواه ابن جرير في تاريخه : 2 / 295 - 296 ، عن يزيد بن أبي حبيب مرسلا ، وأبو عبيد في ( الأموال ) ، ص 23 ، عن سعيد بن المسيب مرسلا نحوه . ( 2 ) حديث صحيح ، رواه البخاري في صحيحه : 8 / 104 ؛ وأبو عبيد عن سعيد بن المسيب مرسلا ومرفوعا ؛ وروي من وجوه أخر مرسلا ، فليرجع إليها من شاء في ( البداية والنهاية ) : 4 / 268 . ( 3 ) حديث حسن ، أخرجه ابن جرير : 2 / 266 - 267 ، عن يزيد بن أبي حيبيب مرسلا ، -